
الرباط:كشفت انتخابات مكاتب المجالس في المدن الكبرى بالمغرب، عقب نتائج الانتخابات البلدية والقروية التي أُجريت يوم 12 يونيو، عن انقسامات حادة في الوسط السياسي؛ بسبب التحالفات الحزبية التي تشكَّلت قُبيل موعد انتخاب المكاتب المسيرة للبلديات ومجالس المدن، والتحولات السريعة لتلك
التحالفات التي كانت تُعقد ثم تنحَلُّ في ظرف وجيز، قبل أن تستقر الصورة النهائية يوم الاثنين 22 يونيو. فقد ظهر حزب العدالة والتنمية الإسلامي ـ الذي منحته نتائج الاقتراع مرتبةً مهمةً وغيرَ مسبوقة ـ لاعبًا رئيسًا في تلك التحالفات، وبدأ يتطلع إلى تسيير بعض البلديات ومجالس المدن، كما بدأ يخْطُو نحو الظَّفَر بعمودية العاصمة الرباط، مدعومًا بتحالف قوي من عِدَّة سياسية، من بينها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري، الذي فضَّلَ التحالفَ مع الإسلاميين ـ أعدائِه الدائمين ـ ؛ لقطع الطريق أمام حزب الأصالة والمعاصرة الذي يتزعمه فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في وزارة الداخلية وأحد المقربين من الملك محمد السادس، وهو الحزب الذي ظهر قبل أقلَّ من عام فقط، وأحرز المرتبة الأولى في النتائج العامة للانتخابات، بشكل فاجأ الجميع.
وفي الوقت الذي كان حزب العدالة والتنمية يدخل في تحالفات حزبية في مختلف الجهات والمناطق، سواء للحصول على تسيير المجالس والبلديات أو للحفاظ على موقع في مكاتبها المسيرة.. حصلت تحولات سريعة ومفاجئة في تلك التحالفات، ووجد الحزب أن حلفاءه انقلبوا عليه في اللحظة الأخيرة، مما جعل الأنظار تتَّجه نحو حزب الأصالة والمعاصرة، الذي اتهمه مسئولون في الحزب الإسلامي بأنه يقف وراء فبركة تحالفات جديدة في آخر لحظة عبر ممارسة مختلف أشكال الضغط والتهديد على المنتخِبين؛ لجرِّهِم إليه أو دفعهم إلى التخلي عن العدالة والتنمية. وهو ما دفع النائب البرلماني عن الحزب، مصطفى الرميد، إلى توجيه دعوة إلى الملك محمد السادس من أجل التدخل لوضع حدٍّ لما أسماه بـ "استغلال رموز الدولة وأدواتها في إطار التنافس الانتخابي"، في إشارة إلى توظيف اسم الملك في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يُشار إليه من قِبَل الجميع على أنه"حزب الملِك"، بسبب العلاقة بين زعيمه وملك البلاد. وكشف الرميد في تصريحات للصحافة عن دخول حزب الهمة على الخط لإزاحة حزبه من التحالف الذي تبلور بينه وبين عدد من الأحزاب السياسية لتجديد ولاية عمدة الدار البيضاء السابق محمد ساجد عن حزب الاتحاد الدستوري، وقال: إن الهمة استخدم "منطق من يتحدث باسم الدولة" لإخراج العدالة والتنمية من التحالف وإقناع ساجد بالتخلي عنه، وأنَّه وظَّفَ "التعليمات السامية لسرقة مدينة الدار البيضاء".
ومباشرة بعد ساعات من إجراء انتخابات مجلس المدن والبلديات عقد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران ندوة صحافية طارئة لإِطْلَاعِ الرأي العام على التطورات الجديدة في ملف التحالفات، وندد خلال ذلك بما تعرض له حزبه من ضغوطات استهدفت فكَّ التحالفات التي كان يشكِّلُ جزءًا منها، وقال: إن ما يقوم به الهمة، زعيم حزب الأصالة، "يسيء إلى المغرب وإلى ديمقراطيته وإلى مِلْكِيَّتِهِ الدستورية"، وأضاف: "إننا نواجه خطر الوصول إلى حزب الدولة أو الحزب الوحيد". وجدد الحزب خلال الندوة الطلب من مَلِكِ البلاد بفتح تحقيق حول ما أسماه "الإرهاب" الذي يقوم به فؤاد عالي الهمة.
غير أنَّه بالرغم من هذه المواجهة الساخنة التي وضعت حزب الأصالة والمعاصَرة أمام حزب العدالة والتنمية، فقد تحالف الحزبان مع بعضهما في مدينة كبيرة كمراكش؛ حيث ساند الإسلاميون مرشحةَ حزبِ الهمة "فاطمة الزهراء المنصوري"، للحصول على عمودية المدينة، في سابقة تحتلُّ فيها امرأة هذا المنصب داخل وخارج المغرب، وهي الرسالة التي أراد الحزب القوي توجيهَها إلى الرأي العام الداخلي والخارجي؛ لإعطاء انْطباع بأن هناك تغييرًا حصل في البلاد. وبرَّر حزب العدالة والتنمية مساندة مرشحة غريمه بكونها سيدة مشهود لها بالنزاهة ونظافة ذات اليد، غيرَ أنَّ هذا المبرر لم يستوعبه الكثيرون؛ إذ يقول مراقبون: إن قيادة الحزب وجدت نفسها أمام الأمر الواقع بعدما تحالف منتخبوه في مراكش مع الأصالة والمعاصرة، ورضخ لذلك التحالف خوفًا من انسحاب هؤلاء من الحزب في مدينة كبيرة مثل مراكش، خصوصًا وأنَّ الانتخابات الحالية شهدت حالات مماثلة لمنتخبين من الحزب الإسلامي انسحبت من الحزب والتحقت بالتحالف الذي نسجه "الأصالة والمعاصرة"، حتى من دون الانتماء إلى الحزب.
وتظل المواجهة بين الحزبين مرشحةً للتصاعد في المرحلة المقبلة، وربما أدَّت إلى فرز سياسي في حال ما التحقت بعض الأحزاب بهذا الطرف أو ذلك. ففؤاد عالي الهمة لم يُخْفِ نيتَه في محاربة الإسلاميين بعد تأسيس حزبه، وأعلن ذلك صراحةً في برنامج تلفزيوني في العام الماضي، مؤكدًا أنه يسعى إلى تشكيل جبهة سياسية ترتكز على قيم الحداثة للقضاء على ما أسماه بالمحافظة والجمود.
أحمد صلاح الدين
الإسلام اليوم
السبت 04 رجب 1430 الموافق 27 يونيو 2009