عبدالحميد العدّاسي
تساءلت الجامعيّة التونسية ألفة يوسف – وحقّ لها أن تتساءل – في مقالها الصادر بالصباح التونسية بتاريخ 4 فيفري 2010، عن التباين الكبير بين العبادات (تعني من يؤدّونها) والأخلاق... فأكّدت الأستاذة أنّ الله سبحانه وتعالى قد قرن الإيمان بالعمل الصالح والرّسول صلّى الله عليه وسلّم قد بُعث – وهو خاتم الأنبياء – ليتمّم مكارم الأخلاق؛ ولكنّ معايشتها الواقع عرّفتها على مسلمين غير متخلّقين بأخلاق الإسلام، وذكرت للتدليل على ذلك نماذج ومشاهد كثيرة، كلّها تؤكّدها النقول اليوميّة أو تكشفها فناءات المحاكم التي قد لا يخلو يوم أو جهة من التراب التونسي من انعقادها للبحث أو البتّ في حدث يتعلّق بمآلات سوء الأخلاق فيها... جميل أن يرقب بعض مثقّفينا هذا التردّي وينبّهوا إلى مخاطره؛ وأجمل منه أن ينتبهوا إلى أسبابه فيناقشوها مع من بيده وسائل الإصلاح انطلاقا من العائلة مرورا بالمدرسة ومختلف المؤسّسات المدنية وصولا إلى مؤسّسات الدولة والحُكم في البلاد...
وإذا انطلقتُ ممّا انطلقت منه الأستاذة ألفة من التذكير بمعرفة – بداهةً - أنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فقد رأيت لزاما وجود الأكفّاء (العلماء) الذين يعرّفون النّاس على الفحشاء والمنكر كي يجتنبوهما، ثمّ يدلّوهم على الوسائل المساعدة لهم على اجتنابهما وأهمّها الصلاة فيعلّموهم الصلاة!... ورأيت الأمر لا يتوقّف عند التعرّف على الفواحش والمنكرات بل يتعدّى إلى رفضها وعدم الانسجام مع مقترفها وعدم السماح لمشيعها في القرية أو في الحيّ أو في الإذاعة أو في التلفاز أو في مركز العمل أو في دواوين الحُكم أو في الشارع أو في البلدة أو في البلاد!... ورأيت مهمّة الصلاة لا تتوقّف عند الانتهاء عن الفحشاء والمنكر ولكنّها تعمل بصلاحها على إصلاح وصلاح سائر الأعمال وتُجرِّئ على الأمر بالمعروف بالحكمة (والحكمة لا تعني - كما يفهم البعض السكوت - عن الحقّ، فذلك يسمّى الخرس الشيطاني)!... ورأيت الصلاة لا يتعلّمها ولا يفقهها مَن خاف الذهاب إلى المسجد أو مُنع الدرس في المسجد أو ساءله أحد عن الذهاب إلى المسجد!... ومن خلال هذا التمشّي المنطقي يمكن القول أنّ الصلاة التي أرشد إليها الباري سبحانه وتعالى وبيّن ورسولُه صلّى الله عليه وسلّم مضاءها في النهي عن الفحشاء والمنكر لم يتمكّن التونسي – بتأثير عوامل خارجة عن نطاقه - من تعلّمها تعلّما صحيحا رساليّا هادفا، فـمالت عن وظيفتها... ولكي نعيد الصلاة والعبادات عموما إلى وظيفتها لا بدّ من صوابية التعلّم وذلك من حيث محتوى العلم ومن حيث المؤثّرات التي تقع على العلم، إذ هناك مؤثّرات على العلم قد تذهب بجلّه أو به كلّه...
وإذا انطلقنا في الحديث عن المؤثّرات فإنّا لن نبلغ منطقة الإقلاع عنه أبدا... ولكنّي أكتفي بالإشارة إلى ضرورة الحريّة والأمن والأمان لضمان راحة العالم والمتعلّم على حدّ السواء... ولا بدّ من كفاءة العالم وثقة المتعلّم فيه... ولا بدّ من إزالة كلّ الملهيات عن منطقة التعلّم على الأقلّ خلال فترة التعلّم؛ فإنّك لا تستطيع تعليم الطفل الصغير مثلا بحضرة "طوم وجيري"، ولا تسطيع تعليم النّاس – مهما كانت درجة محافظتهم على الحشمة - الالتزام بآداب الصيام على شاطئ يكثر فيه المصطافون العراة، ولا تستطيع الحديث عن حرمة الرشوة أو كراهتها في بلد يتعامل أغلب موظّفي الدولة فيه بالرشوة، ولا تستطيع تعليم ولدك الحياء بحضرة برنامج "سفيان شو" قليل الحياء، أو بحضرة برنامج "عندي ما انقلّك" الذي طبّع المشاهد – من جملة ما طبّعه – على سماع الحديث عن الزنى والزناة، ولا تستطيع تعليم المروءة أو الدفاع عن الحرمات في غياب أهل المروءة والشرف!...
وإذن فخطّة الإصلاح عندنا رأسيّة، أعني أنّها تبدأ بالرّأس، إصلاح الرّأس... ولا أعني بالرّأس هنا – على خلاف ما كنت أعني - رأس الدولة فهو جزء منه وليس كلّه، ولكنّي أعني معه الأب والأمّ والمثقّف والإعلامي والمدرّس والعالم بالعبادات؛ كي نوفّر بصلاحهم البيئة الصالحة لتعلّم عبادات تترجم أخلاقا وسلوكا حسنا حميدا... أمّا إذا واصل الأب والأمّ يصحبون فلذات أكبادهم الأبرياء إلى حضور هذه البرامج الهدّامة الفاقدة المفقدة للحياء، بعيدا عن الكتاتيب ورياض الأطفال القرآنية... أمّا إذا إذا واصل المثقّف والمتخصّص في شتّى المجالات يشبع غرائزه غائصا في التراب ووحل الأرض حيث نصفه الأسفل دون نظر إلى روحه أو تفكير في إحيائها وترقيتها وتطييبها... أمّا إذا ملنا على "النصوص" نلوم فيها عدم القدرة على إتمام الأخلاق... فلن نفقه عبادة ولن نتمّم أخلاقا، إذ للحياة سنن لا بدّ من احترامها!... والله من وراء القصد... وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ...
عبدالحميد العدّاسي
الدّانمارك في 6 فيفري 2010
























