احميدة النيفر
لم تنقض ستة أشهر على حادثة رشق الصحافي العراقي الرئيس الأميركي السابق بالحذاء حتى وقف الرئيس الجديد خطيبا تحت قبة جامعة القاهرة وفي ضيافة الأزهر الشريف ليعبر عن امتنانه للحفاوة التي لقيها من الشعب المصري ومن مجمل نخبه. إذا انطلقنا من هذه الزاوية للنظر إلى المشهد السياسي والإعلامي العربي والدولي وإلى خطاب القاهرة فلا بد أن نتساءل عن معنى هذا التحول؟ كيف تم الانتقال من درك الحذاء المهين إلى مقام عمائم الأزهر التي جلست مع رؤوس مصر تصغي وتصفق في أكثر من مناسبة تأييدا وإعجابا؟ هل نحن أمام حركة ممسرحة ضبطت بذكاء لكنها ليست في النهاية سوى مجرد كلام في سياق عملية «علاقات عامة» غايتها «تسويق نفس البضاعة»، أم أننا أمام خطاب سياسي من نوع مختلف يتضمن التزاما بطي صفحة الماضي مع محاور لبرنامج عمل يقوم على رؤية مبدئية مختلفة لما اعتاده الساسة الغربيون حين يتوجهون إلى العالم العربي الإسلامي؟ أيحمل هذا الخطاب تعبيرا اعتذاريا عن توجه الرئيس السابق وأنصاره من المحافظين الجدد الذين حملوا مسؤولية العنف وشناعات التطرف للإسلام والمسلمين أم أنه وعد يتطلب من الجانب العربي خيارات سياسية حقيقية لا تقتصر على تصريف شؤون السلطة بالسعي إلى احتكارها وادعاء مقاومة الإرهاب؟
ما يرجحه عدد من المعلقين هو أننا أمام تطرية وتزويق لذات السياسة التوسعية الأميركية التي لا تراجع توجهاتها الأساسية إنما تغير تعبيراتها عند تهاوي أغلفتها القديمة وانتهائها إلى فشل ذريع. تأكيدا لهذه الوجهة تقدم حجج متفاوتة القيمة من أهمها أن أوباما جاء إلى الرئاسة استجابة للمصالح الرأسمالية في المجتمع الأميركي وانتصارا لغاياتها. لقد وقع دعم أوباما -حسب هذه القراءة- لكفاءته الشخصية ولأنه بذلك يستطيع أن يمثل أحسن تمثيل مؤسسة الحكم ومصالحها في المجتمع الأميركي والدولي.
ما تهمله مثل هذه المعالجة الاختزالية السكونية للحياة السياسية الاجتماعية والثقافية للولايات المتحدة هو ما يعتمل في ذلك البلد الشاسع والشاب من حراك لافت لم يتوقف طوال العقود. وراء ذلك الحراك يشخص أنموذجان من النخب الفكرية والسياسية يمثلان شخصيتين للولايات المتحدة: هناك من جهة أميركا المتحررة المنفتحة صاحبة الخيال الخصب والإقدام الجريء وإزاءها أميركا ثانية، محافظة حد التزمت، محدودة الأفق إلى درجة الانعزال وحرفية في فهمها لذاتها وللعالم. في مساق هذا التقابل الذي تغذيه رؤى متباينة من قبيل اعتماد نظرية التطور ورفضها بمقولة الخلق شهدت الولايات المتحدة خاصة منذ انهيار المعسكر الشيوعي السوفييتي تمفصلا جديدا هاما عوض الصدام الإيديولوجي القديم بين الليبراليين والاشتراكيين بثنائية بديلة بين الليبراليين واتجاه المجمعيين (Communitarianism). تلح هذه المنظومة الفكرية السياسية، التي تولي أهمية بالغة للقيم الجمعية للتجمعات والطوائف لما لها من تأثير في صياغة شخصية المواطن وسلوكه، تلح على ضرورة التوازن بين حقوق الأفراد وبين رعاية الهويات المجمعة. إنها تعيد طرح السؤال المركزي المتصل بطبيعة العلاقة بين السياسة والقانون.
على خلفية هذا الحراك المجتمعي والفكري وبالاستفادة من الوضعية الكارثية التي انتهى إليها الرئيس السابق تأكدت الحاجة الموضوعية إلى تغيير سياسي وفكري عبر عنه تطلع أجيال من الأميركان المتنوعي الأعراق والرؤى. بذلك تمكن أوباما من أن يتقدم ليرفع بنجاح شعار «التغيير» الذي كان منتظرا ومطلوبا من أطراف وجهات متعددة. هو لذلك لا يدين بالفضل فقط للحزب الديمقراطي ولا لمؤسسة الحكم القائم ولما يلتف حولها من صهاريج التفكير (think tanks). لكنه مع ذلك لا يستطيع تجاهل سلم الأولويات الأميركية ولا يقوى على اختراقها مكتفيا في الجانب الأساسي منها بتعديلات تدريجية خاصة ما تعلق منها بالقضية الفلسطينية مستفيدا من تأييد قسم من اليهود الأميركيين لمشروع قيام دولتين في فلسطين.
إلى جانب تلك الحيوية المجتمعية فإن الإدارة الحالية تجد في الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة ما يسمح لها بإمكان إعادة بعض التوازنات وتعديل جانب من التوجهات الخارجية سعيا منها لمواجهة كساد الاقتصاد الأميركي الذي يشكو من علل نقصان الحركة التنافسية العادية للسوق ولاعتماده على علاقات غير متوازنة وغير عادلة مع العالم.
فوق كل هذا فإنه لا يمكن أن نشرح نجاح الرئيس الجديد وصدقية خطابه ووعوده بمعزل عن هويته الثقافية الخاصة. هي هوية مركبة من امتزاج عرقي ثقافي بين أب إفريقي وأم أميركية بيضاء مع تنشئة مخضرمة خارج الولايات المتحدة وداخلها تدفع غالبا بأصحابها إلى الاضطلاع بذلك التنوع والثراء مما يتيح لهم قدرا هاما من التكيف والجرأة. ذلك ما يطلق عليه علماء الاجتماع «أطفال الثقافة الثالثة» الذين يشقون طريقهم في أجواء غير مألوفة بنجاح نتيجة التميز بالمعرفة الذاتية وفهم النفس بصورة أصيلة. من هذا الثراء الداخلي يمكن لأصحاب الثقافة الثالثة أن يقيموا علاقة مع الجميع بغض النظر عن العرق أو القومية أو المعتقد.
هذا العنصر الشخصي يجعل للرئيس أوباما حظوظا أوفر في مد الجسور مع عالم عربي إسلامي وإنهاء حالة قطيعته مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا. هو بذلك يريد أن يوظف كفاءته في الرهان على التغيير مع الفضاء العربي مثلما فعل في حملته الانتخابية التي راهنت أيضا على التغيير مستندة إلى التحولات الاجتماعية والجيلية والاقتصادية لمساندة ما يواجه المواطن الأميركي من تحديات محلية ودولية.
في هذا السياق لا بد من التذكير بأن الرئيس الأميركي السابق قام بمحاولة مد جسور مع المسلمين إثر أحداث 11/9/2001 لكنه كان في ذلك فاقدا للحافز الذاتي وللسند الموضوعي والسياسي. زار يوم 17/9/2001 المركز الإسلامي بواشنطن صحبة نهاد عوض المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية وألقى خطابا بعنوان «الإسلام سلام» أدان فيه الاعتداءات التي تعرضت إليها بلاده مؤكدا أنه لا علاقة للإرهاب بحقيقة الإسلام مستشهدا في ذلك بآيات من القرآن الكريم. ما انتهت إليه الأمور بعد ولايتيه الحالكتين كان مسلكا معاكسا نتيجة ما وقع إرساؤه من تعميمات الإدارة الأميركية بمعية المحافظين الجدد ولوبيات صهيونية ومراكز إعلام وتفكير التقت في التأكيد على أن الإسلام دين عنف وأنه لم يعرف في تاريخه الحضاري إلا توجها نمطيا واحدا لا صلة له بالعقل أو التجديد.
مع الرئيس الأميركي الحالي اتضح قبل خطابه القاهري وبعده أن الوجه التقدمي لأميركا يمد يده إلى العالم العربي من أجل عمل مؤسس وتعاقدي قائم على عنصرين:
1- وعد يلتزم به رئيس الولايات المتحدة بتصفية التركة الثقيلة التي تراكمت للخروج من دائرة الارتياب والشقاق وإقامة علاقات «مبنية على أساس حقيقة أن أميركا والإسلام لا يعارضان بعضهما البعض».
2- ضرورة قيام شراكة سياسية نتيجة هذا الوعد يكون فيها الطرفان الأميركي والعربي قادرين على إكساب سياستهما مضمونا واقعيا في القضايا المشتركة.
بتعبير آخر مبادرة القاهرة توحي بأن أولويات السياسة الخارجية الأميركية تتطلب منها التحرك في مثلث إسلامي محتقن: إيران- أفغانستان- باكستان من أجل مواجهة فاعلة مع الخصمين الكبيرين: روسيا والصين. هي لذلك تسعى إلى شراكة مع البلاد العربية تضمن لها الأداء الجيد ضمن المثلث الإسلامي.
لو أردنا اختزال مبادرة أوباما القاهرية في كلمة لقلنا إنه يعتبر أنه ليس بين الولايات المتحدة والعالم العربي الإسلامي إشكال ديني، جوهر التقاطع بين العالمين سياسي محض. وهذا بالذات ما يحرج أكثر الأنظمة العربية لأنها لا تمتلك مشروعا سياسيا جامعا تتجاوز به انقساماتها وعللها الداخلية ولأن فهمها للسياسة ومعالجتها لما يتفرع عنها من قضايا مختلف نوعيا عما يعتمده الساسة الأميركيون خاصة في ظل الإدارة الحالية.
الرؤية
2009-06-18
























