تناول المفكّر الاجتماعي الدكتور نادر فرجاني حال الحركات الاحتجاجية التي تظهر في بعض الدول العربية، ومستقبل هذه الحركات، والفارق بينها وبين مؤسسات المجتمع المدني, وذكر أن أحد أهم أسباب الأزمة التي يعانيها العالم العربي هو "فساد أجهزة الحكم والأنظمة بجانب التضييق على الحريات".
بيّن الدكتور نادر فرجاني ـ الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ـ ما يشغله من حالة الإفقار والقهر التي تعيشها المجتمعات، التي تتولد نتيجة التسلط والفقر. كما تعرّض د. فرجاني إلى توضيح أكثر لهذا المفهوم، وتقييمه لمستوى المجتمع المدني بالعالم العربي، ومدى صلاحيته لقيادة عملية التغيير.
يختص د. فرجاني بتحليل الواقع الراهن، بعقلية المثقف المنتمي إلى وطنه وأمته، مدركًا لتحديات الحاضر، ومتطلبات الواقع، وقد استعرض ما يحاك للمثقف، وهو يواجه اشتباكه مع السلطة, والطُرُق التي تستخدمها الحكومات لاحتواء المثقفين، وما يُثار من انعزالهم عن التعاطي مع واقعهم، والتفاعل مع قضايا جماهيرهم, ودور المثقفين المتفاعلين مع مشاكل واقعهم، ووصفهم بـ"المثقفين العضويين"، الذين رفضوا الانضواء تحت لواء السلطة السياسية، مقابل آخرين يكشف نجاح السلطة في احتوائهم، فانعزلوا عن نبض جماهيرهم, بالإضافة للمزيد من التفاصيل في نص الحوار:
في رأيك.. ما هي أسباب الأزمة التي يعانيها العالم العربي، وكيف تتم معالجتها؟
كما هو واضح، فإن العالم العربي يمر بأكثر من أزمة، وهي استمرار للانحطاط الحاصل, وهذا الانحطاط بدأ مستواه يهبط بصوره كبيرة، حتى ظهرت حاليًا في العالم العربي أزمة حادة, لها العديد من الجوانب المتعددة.
وإذا جاز لي أن ألخِّص مجمل مسببات الأزمة الحاصلة نتيجة الانحطاط الذي تعرض له العالم العربي، ففساد أجهزة الحكم والأنظمة على مستوى الوطن العربي بجانب التضييق على الحريات، هو السبب وراء ذلك، وإذا نظرنا إلى هذين الجانبين، فإننا نجد أن حال العرب أصبح عسيرًا للغاية.
كما أن تنافر العرب, وضرب الوحدة العربية, وانتهاك الحريات من جانب الأنظمة, وما يتم ممارسته من انتهاكات من جانب قوات الاحتلال في العراق وفلسطين, والنفوذ الأجنبي المتعاظم, كل هذه مسببات وأسانيد قويه لإحداث الأزمات الحاصلة حاليًا, نتيجة الانحطاط الذي نتحدث عنه.
وهل تذهب إلى القول بأن حاله الحراك هذه دافعها اقتصادي وليس سياسيًّا؟
لا أتفق مع هذا القول؛ فالفصل بين ما هو اجتماعي وسياسيي هو فصل تعسفي وغير مقبول، لأن المطلب الاجتماعي هو مطلب سياسي بالدرجة الأولى.
وليس صحيحًا أن تكون حاله الحراك في مصر ناتجة عن البحث عن "لقمه العيش"، فكثير من الحركات الاحتجاجية لها رؤية سياسيه قويه وواسعة, ولكن الصورة العامة التي تروج لها الحكومات تجعل من هذه المطالب مطالب فئوية تتعلق بلقمه العيش.
ومن هنا أستطيع القول: إن هذه الحركات تقدميه وواعية للغاية بواقعها، ولا ننسى أن المطالب بتحقيق صورة عادلة للأجور هي مطالب سياسية، فضلاً عن أنها تعبير عن سياسة الإفقار التي تمارسها أجهزه الحكم التسلطية.
وهل تعتبر أن هذه الحركات يمكن أن تندرج ضمن مؤسسات المجتمع المدني؟
هذه الحركات نشأت كرد فعل على التضييق القائم على الحقوق، وحرية التنظيم تقتضي أن يكون هناك احترام كامل للحرية والتجمع السلمي, والحق في إنشاء منظمات مؤسسيه, لأن وجود مثل هذه المؤسسات النشطة والقوية أمر يعني إنهاء الحكم التسلطي بالنسبة لها.
ولا يمكن إدراجها بالطبع ضمن الحركات الاحتجاجية، لأن المجتمع المدني بمعناه الواسع عبارة عن مجتمعات من المواطنين مستقلين عن الدولة، بدون استهداف الربح، ولكن ما يحدث هو نوع من الهبات التلقائية، لا تتحول في النهاية إلى شكل مؤسسي، كما هو الحال في مؤسسات المجتمع المدني.
ويمكن أن توصف هذه الحركات الاجتماعية بأنها "هبات" عضويه تلقائية على الأوضاع القائمة في مصر على سبيل المثال، ولكنها لم تأخذ الشكل المؤسسي المستقل، كما هو حاصل مع مؤسسات المجتمع المدني، وإن كانت تلعب دورًا مهمًا في ظل التضييق على الحريات, سواء في المجتمع المدني أو السياسي.
وكيف ترى مستقبل هذه الحركات الاحتجاجية؟
من المؤكد أن المستقبل سيتوقف على حيوية الحركات الاحتجاجية، وحكم المؤسسات الحاكمة في المقابل. ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه هذه الحركات، فهناك مجموعه من الظروف التي تتحكم في هذه الحركات. ولذلك إذا استمر مسلسل التسلط والفساد في استعمال مزيج من الإفقار والقهر، فإن هذا سيؤدي إلى انتشار مزيد من الحركات الاحتجاجية نتيجة احتكار السلطة والثورة.
والحالة الأخيرة متشابهه في كثير من البلدان العربية, في أن المزج بين الإفقار والقهر ساهم في إحداث حاله من السخط البالغ الذي لا يمكن تحمُّله أكثر من ذلك، وهو ما قد ينذر بصعود حركات احتجاجية عديدة وجديدة وذات هبات متعددة ومتزايدة القوة أيضًا، وقد يظهر ميل للتنسيق والتضافر فيما بينها إذا ظلت الأمور على ما هي عليه في العالم العربي، مما قد يشكل بديلاً أيضًا للتغير السلمي المفيد.
وهل تعتقد أن هذه الحركات يمكنها التحول إلى ما هو أخطر من ذلك في العمل بإطار تنظيمات سرية كرد فعلي على ما تتعرض له من ضغوط حكوميه؟
قد يكون هذا واردًا بالفعل، ولكنه مرتهن بتعامل الأنظمة التسلطية معها، حيث إن تشدد هذه الأنظمة من غلوائها في القهر والإفقار، سيدفع إلى مواجهات دامية مع هذه الحركات، الأمر الذي قد يؤدي إلى حركات سريه تعمل ضد الحكومات.
ولا شك أن هذه الحالة ستكون حالة من "الخبل" تأتي نتيجة لعدم إدراك طبيعة الأمور، وهو ما قد يدفع إلى وقوع سيناريو دموي في المجتمعات التي تتزايد فيها أجهزة الحكم التسلطية، الأمر الذي قد يفتح أيضًا "الخراب" في البلدان العربية.
في ظل الحديث عن دور منظمات المجتمع المدني، وطرحها في أهمية المشاركة لصناع الحكم السياسي.. هناك العديد من المقومات التي تفتقر إليها هذه المنظمات، ومنها غياب الشفافية، فما تفسيرك لذلك؟
لاشك أن هذا انعكاس طبيعي لأكثر من ظاهره، منها غياب حرية التنظيم، بالإضافة إلى انتشار الفساد في المجتمعات، وخاصة في رأس السلطة، واحتكار الثورة والسلطة، وهذا ينعكس بالطبع على حاله من الهشاشة والهامشية.
ولذلك، فإن المجتمع المدني بهذه الحالة، لا يصلح لقيادة سياسية أو اقتصادية، أما إذا ما أدى التفاعل بين الأنظمة الحاكمة القائمة والحركات الاحتجاجية المتنامية إلى حالة من انتزاع حريات التنظيم وحق التعبير السلمي، فإن هذا سيعدُّ تغييرًا لمشهد مسيرة الإصلاح.
والواقع، فإن المجتمع المدني في العالم العربي بوضعه الحالي لا يصلح لقياده عمليه تغيير تنتهي بتأسيس مسار للنهضة، فلابد أن يكون واضحًا أن هذا المجتمع ضعيف وهش وأحيانًا فاسد.
القاهرة/ الإسلام اليوم
السبت 22 صفر 1431 الموافق 06 فبراير 2010
يختص د. فرجاني بتحليل الواقع الراهن، بعقلية المثقف المنتمي إلى وطنه وأمته، مدركًا لتحديات الحاضر، ومتطلبات الواقع، وقد استعرض ما يحاك للمثقف، وهو يواجه اشتباكه مع السلطة, والطُرُق التي تستخدمها الحكومات لاحتواء المثقفين، وما يُثار من انعزالهم عن التعاطي مع واقعهم، والتفاعل مع قضايا جماهيرهم, ودور المثقفين المتفاعلين مع مشاكل واقعهم، ووصفهم بـ"المثقفين العضويين"، الذين رفضوا الانضواء تحت لواء السلطة السياسية، مقابل آخرين يكشف نجاح السلطة في احتوائهم، فانعزلوا عن نبض جماهيرهم, بالإضافة للمزيد من التفاصيل في نص الحوار:
واقع العالم العربي
في رأيك.. ما هي أسباب الأزمة التي يعانيها العالم العربي، وكيف تتم معالجتها؟
كما هو واضح، فإن العالم العربي يمر بأكثر من أزمة، وهي استمرار للانحطاط الحاصل, وهذا الانحطاط بدأ مستواه يهبط بصوره كبيرة، حتى ظهرت حاليًا في العالم العربي أزمة حادة, لها العديد من الجوانب المتعددة.
وإذا جاز لي أن ألخِّص مجمل مسببات الأزمة الحاصلة نتيجة الانحطاط الذي تعرض له العالم العربي، ففساد أجهزة الحكم والأنظمة على مستوى الوطن العربي بجانب التضييق على الحريات، هو السبب وراء ذلك، وإذا نظرنا إلى هذين الجانبين، فإننا نجد أن حال العرب أصبح عسيرًا للغاية.
كما أن تنافر العرب, وضرب الوحدة العربية, وانتهاك الحريات من جانب الأنظمة, وما يتم ممارسته من انتهاكات من جانب قوات الاحتلال في العراق وفلسطين, والنفوذ الأجنبي المتعاظم, كل هذه مسببات وأسانيد قويه لإحداث الأزمات الحاصلة حاليًا, نتيجة الانحطاط الذي نتحدث عنه.
حراك مجتمعي
وهل تذهب إلى القول بأن حاله الحراك هذه دافعها اقتصادي وليس سياسيًّا؟
لا أتفق مع هذا القول؛ فالفصل بين ما هو اجتماعي وسياسيي هو فصل تعسفي وغير مقبول، لأن المطلب الاجتماعي هو مطلب سياسي بالدرجة الأولى.
وليس صحيحًا أن تكون حاله الحراك في مصر ناتجة عن البحث عن "لقمه العيش"، فكثير من الحركات الاحتجاجية لها رؤية سياسيه قويه وواسعة, ولكن الصورة العامة التي تروج لها الحكومات تجعل من هذه المطالب مطالب فئوية تتعلق بلقمه العيش.
ومن هنا أستطيع القول: إن هذه الحركات تقدميه وواعية للغاية بواقعها، ولا ننسى أن المطالب بتحقيق صورة عادلة للأجور هي مطالب سياسية، فضلاً عن أنها تعبير عن سياسة الإفقار التي تمارسها أجهزه الحكم التسلطية.
وهل تعتبر أن هذه الحركات يمكن أن تندرج ضمن مؤسسات المجتمع المدني؟
هذه الحركات نشأت كرد فعل على التضييق القائم على الحقوق، وحرية التنظيم تقتضي أن يكون هناك احترام كامل للحرية والتجمع السلمي, والحق في إنشاء منظمات مؤسسيه, لأن وجود مثل هذه المؤسسات النشطة والقوية أمر يعني إنهاء الحكم التسلطي بالنسبة لها.
ولا يمكن إدراجها بالطبع ضمن الحركات الاحتجاجية، لأن المجتمع المدني بمعناه الواسع عبارة عن مجتمعات من المواطنين مستقلين عن الدولة، بدون استهداف الربح، ولكن ما يحدث هو نوع من الهبات التلقائية، لا تتحول في النهاية إلى شكل مؤسسي، كما هو الحال في مؤسسات المجتمع المدني.
ويمكن أن توصف هذه الحركات الاجتماعية بأنها "هبات" عضويه تلقائية على الأوضاع القائمة في مصر على سبيل المثال، ولكنها لم تأخذ الشكل المؤسسي المستقل، كما هو حاصل مع مؤسسات المجتمع المدني، وإن كانت تلعب دورًا مهمًا في ظل التضييق على الحريات, سواء في المجتمع المدني أو السياسي.
الإفقار والقهر
وكيف ترى مستقبل هذه الحركات الاحتجاجية؟
من المؤكد أن المستقبل سيتوقف على حيوية الحركات الاحتجاجية، وحكم المؤسسات الحاكمة في المقابل. ولا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه هذه الحركات، فهناك مجموعه من الظروف التي تتحكم في هذه الحركات. ولذلك إذا استمر مسلسل التسلط والفساد في استعمال مزيج من الإفقار والقهر، فإن هذا سيؤدي إلى انتشار مزيد من الحركات الاحتجاجية نتيجة احتكار السلطة والثورة.
والحالة الأخيرة متشابهه في كثير من البلدان العربية, في أن المزج بين الإفقار والقهر ساهم في إحداث حاله من السخط البالغ الذي لا يمكن تحمُّله أكثر من ذلك، وهو ما قد ينذر بصعود حركات احتجاجية عديدة وجديدة وذات هبات متعددة ومتزايدة القوة أيضًا، وقد يظهر ميل للتنسيق والتضافر فيما بينها إذا ظلت الأمور على ما هي عليه في العالم العربي، مما قد يشكل بديلاً أيضًا للتغير السلمي المفيد.
وهل تعتقد أن هذه الحركات يمكنها التحول إلى ما هو أخطر من ذلك في العمل بإطار تنظيمات سرية كرد فعلي على ما تتعرض له من ضغوط حكوميه؟
قد يكون هذا واردًا بالفعل، ولكنه مرتهن بتعامل الأنظمة التسلطية معها، حيث إن تشدد هذه الأنظمة من غلوائها في القهر والإفقار، سيدفع إلى مواجهات دامية مع هذه الحركات، الأمر الذي قد يؤدي إلى حركات سريه تعمل ضد الحكومات.
ولا شك أن هذه الحالة ستكون حالة من "الخبل" تأتي نتيجة لعدم إدراك طبيعة الأمور، وهو ما قد يدفع إلى وقوع سيناريو دموي في المجتمعات التي تتزايد فيها أجهزة الحكم التسلطية، الأمر الذي قد يفتح أيضًا "الخراب" في البلدان العربية.
المجتمع المدني
في ظل الحديث عن دور منظمات المجتمع المدني، وطرحها في أهمية المشاركة لصناع الحكم السياسي.. هناك العديد من المقومات التي تفتقر إليها هذه المنظمات، ومنها غياب الشفافية، فما تفسيرك لذلك؟
لاشك أن هذا انعكاس طبيعي لأكثر من ظاهره، منها غياب حرية التنظيم، بالإضافة إلى انتشار الفساد في المجتمعات، وخاصة في رأس السلطة، واحتكار الثورة والسلطة، وهذا ينعكس بالطبع على حاله من الهشاشة والهامشية.
ولذلك، فإن المجتمع المدني بهذه الحالة، لا يصلح لقيادة سياسية أو اقتصادية، أما إذا ما أدى التفاعل بين الأنظمة الحاكمة القائمة والحركات الاحتجاجية المتنامية إلى حالة من انتزاع حريات التنظيم وحق التعبير السلمي، فإن هذا سيعدُّ تغييرًا لمشهد مسيرة الإصلاح.
والواقع، فإن المجتمع المدني في العالم العربي بوضعه الحالي لا يصلح لقياده عمليه تغيير تنتهي بتأسيس مسار للنهضة، فلابد أن يكون واضحًا أن هذا المجتمع ضعيف وهش وأحيانًا فاسد.
القاهرة/ الإسلام اليوم
السبت 22 صفر 1431 الموافق 06 فبراير 2010
























